حبيب الله الهاشمي الخوئي

22

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وتوقّعا ، فإن كان مكروها حدث منه في القلب تألم يسمّى خوفا واشتفاقا ، وإن كان محبوبا حصل من انتظاره وتعلَّق القلب به لذّة للنفس وارتياح باخطار وجوده بالبال يسمّى ذلك الاتياح رجاء . ولكن ذلك المحبوب المتوقّع لا بدّ وأن يكون له سبب ، فإن كان توقّعه لأجل حصول أكثر أسبابه فاسم الرجاء عليه صادق ، وإن كان انتظاره مع العلم بانتفاء أسبابه فاطلاق اسم الغرور والحمق عليه أصدق من اسم الرجاء ، وإن كانت الأسباب غير معلومة الوجود ولا معلومة العدم فاسم التمنّى أصدق على انتظاره . إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ أرباب القلوب والعرفان قد علموا أنّ الدّنيا مزرعة الآخرة ، فالقلب كالأرض والبذر هو الايمان والمعارف الألهيّة وتأثر القلب بالمواعظ والنّصايح والإتيان بالطَّاعات جار مجرى تقليب الأرض واصلاحها ومجرى سياق الماء إليها واعدادها للزراعة . والقلب المستغرق بحبّ الدّنيا والميل إليها كالأرض الصلبة أو السبخة التي لا تقبل الزّرع والانبات ولا ينمو فيها البذر لصلب الأرض أو لمخالطة الأجزاء الملحية ، ويوم القيامة يوم الحصاد ولا حصاد إلَّا من زرع ، ولا زرع إلَّا من بذر وكما لا ينفع الزّرع في أرض صلبه سبخة كذلك لا ينفع إيمان مع حبّ القلب وقساوته وسوء الأخلاق . فينبغي أن يقاس رجاء العبد لمغفرة الله ورضوانه برجاء صاحب الزّرع وكما أنّ من طلب أرضا طيّبة وقلَّبها والقى فيها بذراً جيّدا غير متعفّن ولا مسوس ثمّ أمدّه بالماء العذب وساير ما يحتاج إليه في أوقاته ، ثمّ طهّره عن مخالطة ما يمنع نباته من الشّوك والحشيش ونحوهما ، ثمّ جلس منتظراً من فضل الله رفع الصواعق والآفات المفسدة إلى أن يتمّ الزّرع ويبلغ غايته كان ذلك رجاء في موضعه واستحقّ اسم الرجاء إذا كان في مظنّة أن يفوز بمقصده من ذلك الزّرع . ومن بذر في أرض كذلك إلَّا أنّه بذر في أخريات النّاس ولم يبادر إليه في